30 عاما على زيارة السادات للقدس ولا يزال الجدل مستمرا
كتبهاإنســان - أبو مريم ، في 16 نوفمبر 2007 الساعة: 00:39 ص
في الـ20 من نوفمبر قبل ثلاثين عاما وقف أول وآخر رئيس مصري حتى الآن أمام أعضاء الكنيست الإسرائيلي داعيا إلى سلام يقوم على العدل ، وعارضا استعداده قبول كافة الضمانات التي تحتاجها إسرائيل لتحقيقه ، كان ما حدث مفاجأة أقرب إلى الصدمة وواقعا أبعد من الخيال.
منذ أقل من 4 سنوات على ذلك الحدث كانت الحرب مشتعلة بين البلدين، وصوت الثأر والكرامة لا يعلوه صوت ونار الانتقام تتأجج في الصدور، فماذا حدث في 4 سنوات لتتبدل الحال 180 درجة ، لاسيما أن الصراع العربي الإسرائيلي قد مر عليه أكثر من 25 عاما.
ففي التاسع من ذي الحجة 1397هـ الموافق السبت 19 من نوفمبر1977 ، وبينما جموع المسلمين وأفئدتهم وعقولهم معلقة بجبل عرفات والمشعر الحرام في مشهد يباهي به الله سبحانه وتعالى ملائكته ، كانت أنظار العالم وآذانه مشدودة إلى حدث فريد وعجيب احتبست معه الأنفاس وساد الصمت المطبق والسكون الرهيب إلا من صوت باب طائرة يُفتح ، والرئيس الراحل أنور السادات يهبط سلم الطائرة ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغين واقف فاتحا ذراعيه مرحبا بضيفه الكبير ، بعدما كان السادات هو العدو الأول لهم وأول من أزاقهم مرارة الهزيمة في 6 أكتوبر 1973.
وبجوار بيجين وقف موشي ديان ، وأرييل شارون ، وإسحق شامير رئيس الكنيست ، وعلى يساره وقفت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل السابقة التي عبرت عن دهشتها الشديدة حين رأت السادات قائلة "هذا شيء لا يصدق".
لم يكن أكثر الحالمين خيالا يتنبأ بإمكان حدوث هذه الزيارة إلى درجة أن مناحيم بيجين - كما تقول بعض الروايات - أمر بعض القناصة بالاستعداد في شرفات المطار خوفا من أن يكون كل ذلك مؤامرة من السادات ، ومن الغريب أن ما كان يخشاه بيجين "المؤامرة" اعتبره بعض الحكام العرب على الجانب الآخر كذلك ، فلقد أحدثت زيارة السادات انفعالاً غير مسبوق بين الحكام والجماهير العربية ، وذهب الكثيرون إلى وصف السادات بالخائن والعميل وقد كان منذ 4 سنوات بطلا مغوارا.
وفي غياب لافت للسفير نبيل فهمي سفير مصر في واشنطن ، أحتفل معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى "Washington Institute for Near East Policy" يوم الأربعاء الماضي بالذكرى الـ30 لزيارة الرئيس السادات للقدس بينما كان أحمد ماهر سفير مصر السابق كان قد أفتتح نفس الاحتفالية عند ذكراها العشرين في نفس المعهد منذ عشر سنوات.
كانت البداية من خطاب السادات أمام مجلس الشعب في افتتاح دورته في 9 نوفمبر1977، الذي قال فيه "إنني أعُلن أمامكم وأمام العالم إنني على استعداد للذهاب حتى أخر العالم من أجل تحقيق السلام.. بل إننى أُعلن أمامكم وسوف يدهشون في إسرائيل وهم يسمعون ذلك.. إنني على استعداد للذهاب إلى القدس ومخاطبة الإسرائيليين في عقر دارهم في الكنيست الذي يضم نواب شعبهم من أجل تحقيق السلام".
وقامت الدنيا ولم تقعد.. وأصابت الصدمة والذهول البعض ، ولم يصدق مناحم بيجن ما سمعه ، وقرر باسم الحكومة الإسرائيلية إرسال دعوة للسادات عن طريق السفير الأمريكي.
ذلك الخطاب الذي حضره ياسر عرفات وقام مصفقا بكلتا يديه عند سماعه عبارة السادات ورصدته كاميرات التلفزيون مبتسما وفرحا ، وفي اليوم التالي أرسل الكنيست دعوته إلى السادات للحضور ، وأرسل عرفات لعناته إلى مصر والسادات.
جدل عربي
وقد انقسم الرأي العام العربي ولا يزال إزاء هذه الزيارة ، البعض نظر إليها على أنها شق للصف العربي وخذلان لرفقاء حرب وطعن في ظهر أشقاء ساندوا مصر في حرب 1973 بالعتاد الحربي والمال وسلاح البترول.
في حين نظر إليها البعض الآخر على أنها بُعد نظر، وتفكير سابق للعصر، وقراءة واعية لخريطة القوى بعد هزيمة 1967 وبعد عوامل الضعف التي بدأت تنخر في جسد الحليف السوفياتي، وبعد التوصل إلى قناعة أكدتها حرب 1973 مفادها "استحالة" تحقيق نصر عسكري حاسم على إسرائيل بسبب قوتها لا سيما النووية منها، فضلا عن الدعم الأميركي السياسي والعسكري والمالي اللامحدود.
معارضون
المعارضون لزيارة السادات للقدس لا يزالون متشبثين بموقفهم ، من بينهم على سبيل المثال الكاتب محمد حسنين هيكل الذي عرض جانبا من مبررات رفضه أثناء رده على سؤال لصديقه دنيس هاملتون رئيس مجلس إدارة وكالة "رويترز" عام 1982 أثناء رحلة مشتركة لهما في الأقصر وأسوان حينما رأيا أفواجا من السياح الإسرائيليين هناك.
كان سؤال هاملتون عن شعور المصري العادي حينما يقع بصره على هؤلاء الإسرائيليين يجوبون شوارعه ، فرد هيكل قائلا -كما ورد في كتابه زيارة جديدة للتاريخ- إن أكثر ما يحزنه منذ زيارة السادات للقدس هو أن التعبئة العقلية والفكرية والنفسية للشعب المصري قد جرى فكها أو على الأقل جرى التلاعب بها دون أن يجيئ السلام.
وذكرت قناة " الجزيرة" – عبر موقعها الرسمي "الجزيرة نت" – أن المهندس أبو العلا ماضي رئيس حزب "الوسط" - تحت التأسيس - وأحد الذين اعتقلهم السادات بسبب رفضهم لهذه الزيارة ، قال إنني بعد 30 عاما لا أرى أي نتيجة تحققت فلا الديمقراطية والحرية والرخاء الاقتصادي التي بشرنا بها السادات تحققت ، ولا الأرض العربية في الجولان وفلسطين قد استعيدت ، وحتى سيناء التي عادت لمصر تسلمناها منقوصة السيادة.
مؤيدون
على النقيض من ذلك يقف حسين عبد الواحد نائب رئيس تحرير صحيفة "أخبار اليوم" ، فيعتبر أن الكثيرين الذين نظروا إلى هذه الزيارة على أنها "تحول إستراتيجي" في سياسة مصر الخارجية تسبب في إخراجها من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي مخطئون.
وبرر عبد الواحد ذلك بقوله ، إن هذه الزيارة لم تكن توجها "إستراتيجيا" بقدر ما كانت خطوة "تكتيكية"، وفترة راحة بعد أربعة حروب "لالتقاط الأنفاس"، ريثما تأتي أجيال عربية قادمة عندها القدرة والرغبة على مواصلة الصراع.
وفي اعتقاده أن السادات في ذلك الوقت قرأ أوضاع المنطقة العربية والنظام الرسمي العربي وتوقع بأنه إذا "بردت" القضية بعد "تحريكها" في حرب 1973 فإن الجمود المفضي إلى النسيان سيضرب أطنابه على سيناء والجولان والأراضي الفلسطينية وسيكون من الصعب استعادتها ، من هنا فإن السادات استغل الفرصة وأمسك بخيط السلام قبل أن يفلت.
وبسؤاله عن ما تحقق مصريا وعربيا بعد هذه السنوات وما إذا كان الخيط الذي يتحدث عنه قد التف على يد النظام المصري فقيده ومنعه من حرية الحركة والتأثير في محيطه العربي، رد قائلا إن ذلك غير صحيح لأن مصر دولة إقليمية لها مصالح تسعى لتحقيقها ، وإسرائيل تنظر لنفسها من ذات الزاوية ، فحتى لو وقع الطرفان معاهدة سلام فإن ذلك لا يعني انتهاء المنافسة والصراع.
ويختتم عبد الواحد حديثه بالقول إن الدليل على بقاء الصراع المصري الإسرائيلي هو رفض رجل الشارع التطبيع ، وعزلة السفير الإسرائيلي في القاهرة ، وشبكات التجسس الإسرائيلية التي تكتشف كل مدة ، فضلا عن استمرارية "صلاة مصرايم" التي يقوم بها بعض الإسرائيليين الذين خصصوها كل سبت لصب اللعنات على مصر داعين الله عليها بالدمار والخراب.
وقد وصف الدكتور بطرس غالي رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان ، زيارة الرئيس الراحل أنور السادات للقدس ، بأنها مثلت ولاتزال تمثل أهم حدث فى حياته السياسية ، موضحا أن "هذه الزيارة كانت عنوانا للسلام بالنسبة لمصر".
وقال غالى - وزير الدولة للشئون الخارجية في ذلك الوقت - : "إن مبادرة الرئيس السادات كانت من أجل تحقيق السلام والإستقرار لشعوب المنطقة إلا أنه كان سلاما باردا لأنه لم تتم تسوية القضية الفلسطينية" ، مشيرا إلى أن هدف زيارة السادات للقدس كان يتمثل في إنهاء حالة الحرب بين مصر وإسرائيل ومنح الشعب الفلسطينى حقه في تقرير مصيره وإنهاء إحتلال أراضيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : زووم | السمات:زووم
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 3rd, 2008 at 3 سبتمبر 2008 6:26 م
أصبح الشرق الأوسط منذ أواخر الثلاثينات محط أنظار القوى الكبرى من الناحية الإستراتيجية مع اكتشاف النفط بكميات هائلة خاصة في منطقة الخليج العربي ، مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى منافسة الإمبراطورية البريطانية ، التي كانت تحتل و تسيطر على معظم دول المنطقة ؛ لتدخل الأطماع والمرتكزات السياسية الأمريكية في المنطقة في إطار الإستراتيجية العامة للولايات المتحدة الأمريكية الرامية إلى إيجاد موطئ قدم لها في واحدة من أهم مناطق العالم سياسيًا واقتصاديًا وجغرافيًا .
من هنا نشأت الإستراتيجية الأمريكية الرامية إلى السيطرة على الشرق الأوسط في ظل أفول نجم الاستعمار التقليدي على اثر الضربات التي وجهتها له حركات التحرر شرقًا وغربًا عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وفي ظل توجهات الولايات المتحدة نحو الهيمنة العالمية ، ومحاولة رسم صورة جديدة للنظام العالمي ، وفي ضوء متغير جديد ألا وهو ظهور الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى تقف على قدم وساق في مواجهة التطلعات الأمريكية ليبدأ صراع من نوع خاص بين أيديولوجيتين متباينتين تمامًا ، وتحمل كل منهما مشروعًا للهيمنة وفرض النفوذ ، إلا أن ما تضمنه المشروع السوفيتي من دعوة لمساندة حركات التحرر في مواجهة الاستعمار الغربي وتحرير الشعوب وتمكينها من تحطيم قيود القهر والاستعمار قد تلاقي إلى حد كبير من رغبات تلك الشعوب في التخلص من نير الاستعمار واستعادة ثرواتها المنهوبة ، ولم يكن من قبيل المصادفة التاريخية أن تصطبغ غالبية حركات التحرر في أنحاء العالم في تلك الفترة بالصبغة اليسارية ؛ لما كانت تعانيه تلك الشعوب من سيطرة الأقلية والأجانب على ثرواتها ، بينما تعاني هي من ربقة الفقر والإذلال ، وبالتالي كان النفوذ السوفيتي يكسب كل يوم المزيد من الأرض بين ثورة هنا وانقلاب هناك ، وتفجر العالم بموجات تحررية عاصفة كانت إيذانا بانتهاء عهد الاستعمار وأذنابه في الصين وفيتنام وكوريا وكوبا والكونغو والجزائر وغيرها من بقاع الأرض .
وفي الشرق الأوسط قامت ثورة يوليو المصرية 1952م ، وفي ظل تنافس محموم على المنطقة بين المعسكرين ، طرح جمال عبد الناصر مشروعًا مستقلاً ألا وهو المشروع القومي العربي مناديًا بوحدة الأمة من المحيط إلى الخليج ، والقضاء على عوامل الفرقة التي صنعها الاستعمار ليملك العرب مقدراتهم لأول مرة في تاريخهم ، ولاقت الدعوة قبولا جماهيريًا كبيرًا ، إلا أنها فجرت صراعًا سياسيًّا داخليًا بين التيار القومي الوحدوي وبين النظم الملكية التقليدية وثيقة الارتباط بالغرب في بغداد والأردن والرياض .
ومثلها مثل حركات التحرر آنذاك اصطبغت الثورة المصرية بالطابع اليساري وسعت إلى بسط سيطرة الأمة على مقدراتها ، فكان الإصلاح الزراعي ثم تأميم قناة السويس والمصالح الأجنبية خطوة أزعجت الإمبريالية الغربية التي سارعت بالتحالف مع إسرائيل لتوجيه ضربة قاصمة لـ”جمال عبد الناصر” فكانت حرب السويس 1956م التي منيت بالفشل الذريع مع التدخل السوفيتي الذي كاد أن يؤدي إلى اندلاع حرب عالمية ثالثة وانهزم العدوان ، وكانت نهايته بمثابة شهادة وفاة لعصر الإمبراطوريات الاستعمارية، وانهيار عقد الإمبراطورية البريطانية ، فقد توالت بعد ذلك أنباء الثورات الوطنية التي أطاحت بالاستعمار وأذنابه ، وبرز “عبد الناصر” كزعيم للمشرق العربي ، ورمز للوطنية ومحاربة الاستعمار في العالم الثالث مثله مثل “ماوتسي تونج” ، و”هوشي منه” ، و”تشي جيفارا” و”لومومبا” وغيرهم من الزعماء الذين ظهروا في عصر قلما يتكرر فيه ظهور مثل هؤلاء في وقت واحد .
وهنا تقدّم الرئيس الأمريكي الراحل “دوايت ايزنهاور” عام 1957م بمشروعه الشهير لملء الفراغ في المنطقة بعد نهاية الاستعمار القديم بدعوى تطويق النفوذ السوفيتي ، وظن ايزنهاور آنذاك أنه بموقفه المتضامن مع مصر في وجه العدوان قادر على أن يجذب العرب لصالح مشروعه، إلا إنه اصطدم بالمشروع القومي العربي وزعيمه “جمال عبد الناصر” الذي رفض كل أشكال الهيمنة ، ورأى في مشروع ايزنهاور مشروعًا استعماريًّا جديدًا ، فتصدى له بكل قوة مثلما تصدى لحلف بغداد ، ليبدأ صراع سياسي بين المشروعين المتنافرين .
في هذا الوقت كانت الجماهير العربية معبأة بالثورة والوطنية والقومية، وظن الجميع أن اللحظة قد حانت لإيقاظ مارد القومية العربية ، و جاءت الظروف في سوريا التي كانت واقعة تحت ضغط هائل من دول حلف بغداد ، ومع تنامي خطر التهديدات التركية رأى السوريون أن الوحدة مع مصر لا بديل عنها في ذلك التوقيت، ورغم أن “عبد الناصر” كان يشعر أن الوحدة تستلزم التقارب التدريجي ، وإذابة الفوارق بين نظامي الحكم، إلا إنه لم يستطع سوى الرضوخ لرغبة الجماهير و إلا أصبح المشروع القومي غير ذي معنى، فكان قيام الجمهورية العربية المتحدة التي أحاطت بإسرائيل كشقي الرحى من الشمال والجنوب عام 1958م ، وسرعان ما توارى الحلم القومي خلف المصالح الشخصية مع الانقلاب السوري عام 1961م ، ليواجه المشروع القومي تحديا كبيرا كان لابد من مواجهته.
وقد اندفعت بعض الحكومات العربية للارتباط بسياسة الأحلاف والمشاريع الاستعمارية الغربية ، بقديمها المتراجع “حلف بغداد” وجديدها الصاعد “مشروع ايزنهاور” لمواجهة المد القومي العربي الجارف المتمثل في القوى القومية التحررية ، لحماية عروشها من السقوط في أعقاب رحيل الاستعمار الأنجلو / فرنسي الذي كان يساندها ، ولم ينجم عن هذه السياسات سوى تعّرض تلك العروش لعدة هزات عنيفة ، فسقط العرش الهاشمي في بغداد ، وحكم الأئمة في اليمن ، ووقع النظام الأردني في دائرة لا تنتهي من العنف وعدم الاستقرار .
وواصلت مصر تأييد ومساندة القوى الوطنية العربية للتخلص من الاستعمار وأتباعه ، لما يمثله ذلك من عقبة أمام تحقيق حلم العرب في الوحدة، فكانت مساندتها للعراق و الجزائر واليمن، بينما حاربت القوى الرجعية التقليدية المرتبطة بالغرب بشراسة للحفاظ على وجودها في مواجهة تيار قومي جارف فانهمك العرب في معارك جانبية، وتصاعدت حدة العداء بين العواصم العربية، وانشغل العرب بصراعات داخلية بلغت ذروتها في حرب اليمن مما أنهك القوى العربية وأدى لتراجع المشروع القومي.
وفي غضون ذلك واصلت الولايات المتحدة دعمها للنظم العربية الموالية لها ، والتخطيط لتوجيه ضربة نهائية للجمهورية العربية المتحدة ، من خلال إسرائيل المتربصة ، والقلقة آنذاك من توابع المشروع القومي ، وهنا كان استدراج للجمهورية العربية المتحدة لحرب يونيو 1967م والتي انتهت بكارثة عسكرية عربية لا نظير لها. وشعر عبد الناصر بمسئوليته عن الهزيمة، بتصعيده للموقف السياسي دون استعداد لتحمل العواقب العسكرية، ولأنه ترك الجيش تحت قيادات اتضح عجزها عن إدارة الحرب بصورة ناجحة فتنحي عبد الناصر عن الرئاسة ، وأعلن تحمله للمسئولية الكاملة عن الهزيمة ، ولكن الجماهير العربية في كل أنحاء العالم العربي أدركت بحسها التاريخي أبعاد المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية وأهدافها، فاندفعت إلى الشوارع والطرقات رافضة للاستسلام، والتفت حول قائدها، وأحبطت بذلك أهداف العدوان، وأصبح واضحاً أنه وإن كانت مصر والعرب قد منوا بهزيمة عسكرية فادحة، فإن ذلك لم يحطم إرادة الأمة، وفشلت أهداف العدوان في إسقاط “عبد الناصر” وتحطيم المشروع القومي العربي.
وكانت حرب الاستنزاف لجعل إسرائيل تعلم أن لاستمرارها في احتلال الأرض العربية ثمناً باهظاً، وللحيلولة بينها وبين الاستقرار ، ومن ثم الاستيطان في الأرض المغتصبة أو أن تثبت مواقعها، كما كان الهدف من حرب الاستنزاف هو تحريك الموقف داخلياً وعالمياً، والتعبير عن الإرادة السياسية والشعبية الرافضة للهزيمة.
ورغم أن الإعداد لمعركة التحرير شغل فكره وجهوده، فإن “عبد الناصر” لم ينس قضايا القومية والاستقلال والوحدة، فظل يساند حركات التحرر التي استلهمت من ثورة يوليو -الثورة الأم- خطوطها وأهدافها ، ولكن حلم الوحدة العربية الشاملة كان - و ما زال بعيد المنال ، ولم يمهل القدر “عبد الناصر” ليرى أحلامه تتحقق .
وبعد رحيل “عبد الناصر” خاضت مصر حرب تحرير تاريخية في السادس من أكتوبر عام 1973م جسدت أسمى معاني التضحية والقومية العربية ، ولأول مرة ظهرت الأمة العربية كتكتل سياسي واحد بلغ ذروته بحظر البترول العربي عن الغرب الموالي لإسرائيل ، وعقب حرب أكتوبر كان المجال خصًبا ومواتيًّا لتحقيق الحلم القومي ، وقد حطمت المعركة بنجاحها كل عوامل الفرقة بين الدول العربية ، ولكن ما حدث كان العكس تمامًا مع قبول السلام الأمريكي الذي رفضته مصر أيام الهزيمة ، وقبلته في أوج الانتصار ، فكانت زيارة القدس وما تلاها من حلول فردية عقيمة ، لتضيع القضية في دهاليز المفاوضات والمؤتمرات ، ويقدم العرب التنازلات واحد تلو الآخر ، وينجح المشروع الأمريكي في تطويق المنطقة كلها ، وتنفتح أبواب التطبيع والهرولة أمام إسرائيل ، ليئن المشروع القومي العربي المجهض تحت وطأة أقدام “المارينز” ، ويصبح الحلم القومي ضيقًا كمساحة زنازين “أبو غريب” ، حيث يساق القوميون العرب كل يوم ، وحيث يقف المتشبثون ببقايا المشروع القومي على منصات الإعدام .
لقد بدأت الولايات المتحدة الأمريكية منذ ظهورها كقطب ثانٍ في السعي نحو فرض الهيمنة الاستعمارية التي تضمن لها تقوية نفوذها في الشرق الأوسط ، وتحقيق متطلبات هذا النفوذ وتعزيز عناصره ، في مواجهة القطب الآخر، وحاولت ممارسة ذلك بدءًا من الهيمنة السياسية ومصادرة القرار السياسي والسيادي للدول التي قبلت بالمشروع الأمريكي ، مرورًا بالهيمنة الاقتصادية المستترة خلف شعار المساعدات والمعونات ، وانتهاءً بإقامة القواعد العسكرية لإحكام السيطرة .
ولا يمكن فصل المشروع الاستعماري الأمريكي عن المشروع الصهيوني، فكلاهما يكمل الآخر ويتممه ، حيث ظل بقاء الكيان الصهيوني الاستعماري الإحلالي على رأس أولويات المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط كضرورة لابد منها لقطع جسر التواصل بين الأقطار العربية ، وباعتباره قاعدة لانطلاق المشروع الأمريكي ، وقطع الطريق على أي محاولة لتحقيق الوحدة بين أقطاره، بل والسعي لدمج إسرائيل في المنطقة بشكل كامل ، وفتح المجال أمامها باعتبار الشرق الأوسط - لا الوطن العربي- كتلة جغرافية واقتصادية واحدة تمتد من تركيا شمالا إلى إثيوبيا جنوبا ومن باكستان شرقا إلى المغرب غربا ، تحت مسمى الشرق الأوسط الكبير ، و السوق الشرق أوسطية ، وإقصاء البعد العربي تماما ، لتضيع الهوية والخصوصية العربية في مواجهة تيار استعماري جارف لا يختلف كثيرًا عن الاستعمار الأنجلو فرنسي البائد إن لم يكن اشد منه وطأة واستبدادًا .
ويبقى المشروع القومي العربي - رغم كل الانتكاسات التي شهدها - خط الدفاع الأخير لمواجهة عالم لا يقبل بالكيانات الصغيرة ، وفي مواجهة العنصرية والطائفية التي بدأت تنخر في عظام امتنا ، لتحل محل كل الطوائف والأعراق المتباينة هوية واحدة ، وقومية تمتد جذورها في أعماق التاريخ ، ألا وهى القومية العربية . فالجذور العربية هي الباقية والراسخة في وجدان الشعب الكائن من المحيط إلى الخليج ، بعيدًا عن النعرات الفردية الجوفاء الرامية إلى خلق قوميات بائدة لا وجود لها إلا بين لفائف المومياوات ، وأروقة المعابد وسراديب القبور الفرعونية والسومرية والفينيقية وغيرها من بقايا تاريخ بائد انقطعت بيننا وبينه الصلات منذ آلاف السنين .
وحدها القومية العربية هي القادرة على مواجهة المشروع الاستعماري الأمريكي ، ورد تلك الهجمة الشرسة ، بعدما سقطت الأقنعة عن الوجه القبيح لمبادئ الديموقراطية والحرية الأمريكية في زنازين “أبوغريب” ومعتقلات “جوانتانامو” ، ووحدها المقاومة هي القادرة على أن تعيد للإنسان العربي كرامته ، والعالمون بحركة التاريخ وإرادة الشعوب يدركون حتمية النصر في نهاية المطاف مهما طغى المتجبرون وسقط الأبرياء ، لتجرجر قوى الارتزاق أذيال العار والهزيمة والمهانة إيذانا بأفول عصر الاستعمار الجديد وانتهاء ظاهرة القطب الأوحد التي لم يعرف لها التاريخ مثيلا ، وكم من إمبراطوريات سقطت ، وانفرط عقدها ، مخلفة وراءها الخونة والعملاء وقوى الارتزاق فريسة سهلة تطأها أقدام الشعوب قبل أن تلقى بها بلا اكتراث في الدرك الأسفل بين نفايات التاريخ ، وليس منا ببعيد ذلك المشهد الدرامي منذ قرابة ربع قرن من الزمان حين أطاحت إرادة الشعب الفيتنامي بجحافل المارينز ، وحين هرول الأمريكيون نحو أسطح سفارة بلادهم في ” هانوي” لتقلهم المروحيات إلى بلادهم ، بينما الخونة والعملاء يتسابقون نحو أبواب السفارة ذاتها طلبا للنجاة من جيش تحرير فيتنام الذي سطر أروع ملاحم البطولة والفداء في العصر الحديث ، لكن المحتل المهزوم فر وحده تاركا خلفه عملاءه يعضون النواجذ في يأس ويرجون الرحمة في مهانة وإذلال .